الجدال والحوار في القرآن الكريم

الجدال والحوار في القرآن

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.
الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ

ان هذه الاية الكريمة لم تأخذ حظّها في أدبيات واهتمامات الكُتّاب المسلمين في حين نرى اهتمام بعضهم سُخِّر اكثر في توظيف آيات اخرى منها آيات تتناول مفهوم زواج المتعة (المفترى على القرآن الكريم ) وآيات القتل والعنف والدفاع عن النفس التي نزلت في سياقها الخاص ولكن وُظِّفت لخدمة المذهب او المؤسسة الدينية.
اعود الى هذه الاية الكريمة لما فيها من دروس رائعة وبالتحديد انها تبين مكانة المرأة عند الله واهتمام الباري عزوجل بإنسانية المرأة.
عند النظر والتمعن في هذه الاية الكريمة نرى انّ المرأة المعنية في الآية قد جادلت الرسول الكريم في زوجها ولكن من الواضح والجلي نرى ان الرسول لم يجادلها،كما هو واضح في قوله تعالى ” ..التي تجادلك..” هذا اولا. وأما ثانيا فنرى من النص بوضوح ان هذه المرأة المعنية انها اشتكت لله ولم تشتكي للرسول كما هو واضح من قوله تعالى “..تشتكي الى الله..” مما يوحي بأن الشكوى من الظلم تكون لله الواحد القٓهّار .
وذلك نرى ان الرسول الكريم من اخلاقه العالية قد حاورها ولم يجادلها، كما في قوله تعالى ” ..والله يسمع تحاوركما..” وذلك لكونها مظلومة من زوجها بفعل العرف الاجتماعي المقيت وهو “الظهار” ولم يجادلها الرسول لانها كانت على حق.
هذه إشارات سريعة التي جاءت بها الاية الكريمة . بالاضافة الى تلك الإشارات نرى ان هذه الاية الكريمة تشير الى مفاهيم قيّمة وجميلة. ومن هذه المفاهيم، هو ان الآية تشير الى مفهوم الجدل ومفهوم الحوار بشكل منفصل وواضح مما يوحي بأنهما مفهومان مختلفين وليسا مترادفان وكل منهما يتناول جانب مهم من جوانب السلوك الإنساني والاسس المهمة في العلاقات الإجتماعية بين أفراد المجتمع. والآن نرى بأختصار ما هوالفرق بين هذين المفهومين.
الجدل هو بين طرفين ليس بالضرورة ان يكونا متفقين من حيث المبدأ والاختلاف قد يكون عقائدي او ايديولوجي، كالفرق العقائدي بين أهل الكتاب والمسلمين اتباع نبي الاسلام؛ كما في قوله تعالى “ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن” وكما جاء في كتب أصول اللغة العربية ان الجدال في أصل اللغة هو من جَدَلَ الحبل إذا فَتَلَه ؛ وهو مستعمل في الأصل لمن خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب.
وأما الحوار فهو بين طرفين مع وجود عامل مشترك للاتفاق علية من اجل هدف سامي وانساني بحت .وجاء في أصل اللغة بأن الحوار هو من المُحاورة ؛ وهي المُراجعة في الكلام.
وبعد هذا الموجز مما تحويه هذه الآيات من مفاهيم جميلة نرى ان هدف هذه الآيات هو انها ألغت عرفا إجتماعياً ظالم بحق المرأة وهو مفهوم “الظهار”
كما في الاية التالية :
“الذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ”
ونرى بأنّ هذه الاية اعلاه قد عرّفت الظهار بانه،”…منكرا من القول..” كونه قول منكرا لأنّه يظلم المرأة ولم ينزل الله به من سلطان وتنكره الفطرة السليمة وكذلك اعتبرته الاية بأنه عمل زور “..وزوراً…” وكونه زوراً لانه يعطي للرجل ذريعة لكي يسعى للخلاص من زوجته الاولى أوالاكثار من زواج أخريات فيكون استخدامه لهذا العرف زورا واحتيالا.
وبهذا فأن هذه الاية المباركة تعتبر انطلاقة مباركة نحو تحرير المرأة من الاعراف الاجتماعية الاجرامية وهذه الخطوة المباركة تعتبر من الإنجازات العظيمة للرسول الكريم.

عادل حسين
اوتاوا-كندا

About Adill Hissan

Public speaker, business man, writer. Studied Physics, engineering, philosophy, religions.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *