معنى ” لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح

“لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح عيسى بن مريم”

  لقد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثٓ

المائدة 72,73

المفهوم السائد عند المسلمين هو ان أتباع الدين المسيحي كافرين لأنهم يؤمنوا بأن المسيح هو الله او هو ابن الله او ان الله ثالث ثلاثة وذلك استناداً الى الآيتين اعلاه من سورة المائدة 72,73 واية 30 من سورة التوبة.
وهذا المفهوم طبعاً هو ما استنبطه علماء المسلمين الأفاضل منذ قرون.
هنا سوف أتناول فقط الآيتين 72,73 من سورة التوبة لكونهما وفق المعنى الظاهري لهما أصبحت الأساس في استنباط حكم تكفير النصارى او اتباع السيد المسيح.
أود ان احاكي هذه الآيات من منظور قرآني بحت حيث اذا نظرنا الى هذه الايات بتجرد من تفسير الموروث فيمكن ان اذكر بعض الإشارات المهمة في هذه الايات، والله اعلم،
واهم هذه الإشارات هي يجب ان ندقق في صيغ الأفعال الزمانية والضمائر في هذه الايات. أولاً لنأتي الى اول الأفعال الرئيسية في هذه الايات وهو الفعل “كفرٓ” وهذا الفعل في هذه الايات اصبح العمود الفقري لحكم تكفير النصارى من قبل الفقهاء المسلمين الأفاضل. والان نعود الى الفعل “كٓفٓرٓ” حيث نرى انه تكرر في كلا الآيتين وجاء في صيغة الماضي. هذه الإشارة المهمة الاولى اما الإشارة الثانية هو كلمة “قالوا” وهي جمع “قال” والتي تكررت في الآيتين وفِي صيغة الماضي كذلك. وهذا مما يوحي،والله اعلم، بأن هذا الجزء من الاية هو بمثابة جملة إخبارية اي انها أخبرت النبي ص بحدث الماضي اي انها تشير الى هؤلاء الذين اسسوا عقيدة الديانة المسيحية قبل زمان النبي اي بعد وفاة المسيح بقليل وذلك ان خطاب الاية أولاً كان للنبي محمد ص وكانت الاية اخبار له ص وكانت تتكلم عن رجال الدين المسيحين الذين ” قالوا” بهذه العقيدة المنحرفة وان ضمير الفعل “كفر” والفعل “قالوا” يعود الى من قال او أسس لهذه العقيدة. وان كلمة قال او قالوا تدل على ابتداء القول او الكلام أي يمثل حدوث الكلام، وفق منهجية القرأن الكريم حيث نرى كلمة “قُل” جائت مرات عديدة في القران وتدل على حدوث الكلام من فم النبي الكريم . وهذا يعني ان الاية 72,73 من سورة المائدة و أية 9 من سورة التوبة، تتكلم عن هؤلاء الذين قالوا بهذه العقيدة بعد وفاة المسيح ع مباشرة ولهذا السبب نرى الأفعال في هذا الجزء من الايات جاءت في صيغة الماضي كما في “كفر وقالوا” ولتوضيح ذلك نرى عندما اخبر الله عج نبييه ص وقال له:
“لقد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ” حيث من الواضح نرى ان الخبر هنا في صيغة الماضي ثم مباشرة تكمل الاية وتخبر النبي ص خبراً آخر مقابل ذلك القول والذي هو ما قاله المسيح لقومه كما في قوله، “وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ…الاية72″ وهنا أيضاً نلاحظ جملة خبرية في صيغة الماضي على لسان السيد المسيح. وبعبارة اخرى ان رجال الدين المسيحيين ” قالوا” هذه العقيدة اي اسسوا لها في حين ان المسيح لم يقل بذلك وإنما قال ان يعبدوا الله كما هو واضح من الاية. اما في الاية التالية نرى كذلك انها اخبارية في زمن الماضي لتشير الى جانب اخر من هذه العقيدة المنحرفة التي قال بها رجال الدين بعد وفاة المسيح وهي “لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ”-73 ونرى في هذه الاية ان الله عج قد اخبر نبيه ص مباشرة ؛ “وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ” نرى بعد هذه الجمل الإخبارية والتي أخبرت النبي ص كفر الذين قالوا اي اسسوا عقائد المسيحية المنحرفة اي ان فعل الكفر قد وقع على الذين ابتدأوا بقول هذه العقيدة وليس بالضرورة ان فعل الكفر واقع على اتباع هذه العقيدة ضرورة حيث نلاحظ دقّة القرأن الكريم في اختيار الكلمات وصيغ الأفعال وهذا واضح من العبارة التالية من ذات الاية “وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ5:73 حيث نلاحظ في هذه العبارة ان الفعل “ينتهوا” جاء في المضارع وهو تغيير مفاجأ في صيغ زمان الأفعال في هاتين الآيتين والتي جاءت كلها في صيغة الماضي ما عدا في الجزء الأخير من الاية “وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ” وهذا من عظمة القرأن الكريم حيث ان حكمة تغيير زمن الأفعال المفاجئ أراد به ان يضع فاصل بين الذين اسسوا لهذه العقيدة وبين اتباع هذه العقيدة الى يوم القيامة والحكمة الثانية من تغيير زمن الفعل في اعتقادي والله اعلم، هو ان فعل الكفر وقع على مؤسسي العقيدة ولا يشمل بالضرورة الاتباع وان حكمهم مع الله وان الاية لن تشير الى ما هو نوع الحكم الواقع على اتباع الدين المسيحي بشكل قطعي الثبوت كما هو الحال مع “الذين قالوا” وأما الاتباع فهم اشارت اليهم الاية بعبارة “عما يقولون” وهناك شتّان بين الاثنين.
والعجيب في هذه الاية انها اشارت الى نقطة مهمة جداً تتعلق في طبيعة الاتباع العقدية حيث يمكن ان هناك شريحة من الاتباع سوف تتبنى هذه العقيدة المنحرفة وتتصدى لها وتعمل على ديمومتها من اجل ذات أهداف الذين ” قالوا” بها ابتداءاً وهي السلطة والجاه والمال كما نراه في يومنا هذا في المؤسسات الدينية المسيحية من رجال دين وكهنة، كغيرها من المؤسسات الدينية للمسلمين، فنرى ان الاية تميز بين هذه الطبقة المسيحية الكهنوتية وبين الاتباع البسطاء والمخلصين والصادقين في إيمانهم وهذا الفصل واضح من ذيل الاية 73 والتي اشارت الى مصير هذا النوع من الطبقة الكهنوتية من التابعين “لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ ” وهنا نلاحظ وبوضوح ان العذاب واقع فقط على بعضهم وليس جميعهم كما في كلمة “منهم” أي “الذين كفروا منهم ” أي هؤلاء الذين يساهموا بشكل فعال على إسناد وديمومة هذه العقيدة الفاسدة لأهواء دنيوية. وهذا من عظمة القران الكريم ودقته في التعبير.
والآن تعالوا لنرى ما هو مصير اتباع الديانة المسيحية البسطاء والطيبين والمخلصين في إيمانهم وحبهم للسيد المسيح واتباع تعاليمه السمحاء وهم في اعتقادي يمثلمون الغالبية العظمى من اتباع الديانة المسيحية في العالم اليوم. وطبعاً وفق دين الفقهاء اي دين المسلمين ان جميع المسيحيين هم كفار استناداً الى هذه الاية 72,73 من سورة المائدة. ولكن لنرى ماذا يقول القرأن في مصير هؤلاء المسيحيين الذين “يقولون” بهذه العقيدة المنحرفة. أولاً لقد قال الله عج لنبيه ص في الاية 77 من ذات السورة المائدة وذلك بان يُذٓكّر اتباع المسيح من أهل الكتاب بعدم الغلّوا في دينهم والذين ورثوا هذه العقيدة المنحرفة من آباءهم والذين اشارت اليهم الاية 73 بعبارة “يقولون” اي أصبحوا يقولون بما قاله الاولين اي اتبعوا ما قاله الأوائل من مؤسسي الدين المسيحي حيث قال الله عج للنبي ص ليقول لأهل الكتاب، 5:77:

“قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ5:77”

وهذه إلاية تشير بوضوح الى ان الله طلب من نبيه ص ان يحذر اتباع المسيح في زمانه وحتى يوم القيامة بان لا يتبعوا ما قالو به آبائهم الاولين حول المسيح لأنهم
“قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ “
وأنهم بدورهم وبتأسيسهم هذه العقيدة قد أضلوا الكثير من التابعين كما في قوله،”وَأَضَلُّوا كَثِيرًا ” مما أدى ذلك بالجميع الى الانحراف عن الحق كما في قوله
،”وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ”
والاية هنا قد اشارت الى القوم الذين “قالوا” بهذه العقيدة ووصفتهم بأنهم قد ضَلُّوا وكذلك اشارت الى اتباعهم الذين اتبعوا هذه العقيدة عن جهل واشارت اليهم الاية في كلمة “كثيراً” كما في عبارة ” وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ”
والنقطة المهمة في هذه الاية انه لن تفصح عن مصيرهم بكفرهم بشكل قطعي ولا تدل بوقوع حكم الكفر عليهم كما حصل في الاية 72,73 لان الله أراد ان يوكل الحكم اليه فقط ولا ينبغي لأي كان ان يصدر حكما نيابة عن الله . وقد يقول قائل ان الاية حكمت عليهم بالضلال وأقول لذلك ان حكم وصفهم بالضلال هو صدر حصراً من الله عج وليس من النبي ص لان الاية بدأت بكلمة “قل” وهذا يعني انه عليه السلام نطق بالحكم ولم يقول به اي ان الحكم صدر من الله عج ونطق به النبي ص.

مصير اتباع المسيح ع من منظور قراني بحت

والآن لنرى مصيرهم اي مصير اتباع المسيح من منظور قرأني بحت. ونرى ذلك من خلال اروع حوار قرأني جرى بين الله عج والسيد المسيح ع في يوم القيامة كما جاء في الآيات 116 الى 119 من سورة المائدة. والآن لنستمتع معا روائع هذا الحوار المقدس الذي يفصح عن الكثير من اسرار عظمة الله ورحمته وادب أنبيائه المخلصين. فالرجاء ان تفرغوا ذهنكم من مشاغل الدنيا وتقرأوا هذا الحوار الرباني بخشوع، وهذا هو الحوار:

“وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ..مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ..إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ..قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 116-119 من سورة المائدة

حقاً هذه الآيات هي من روائع الآيات القرآنية ونرى من خلال هذا الحوار الطويل ان الله قد أعطى اهتمام مميّز لاتباع السيد المسيح لتعلقه بمليارات من الناس الأبرياء الذين ضلوا الطريق وأنهم اخلصوا أيمانهم للسيد المسيح وأنهم لم يلعبوا دوراً في تأصيل هذه العقيدة المنحرفة وانهم ولدوا في بيئة تتبنى هذه العقيدة وكل هذه الظروف والحيثيات التي لعبت دورا في ضلالهم عن المنهج الحق يعلم بها الله عج وكلها سوف تأخذ بنظر الاعتبار في يوم الحساب عند الله عج. ولهذا في اعتقادي نرى ان الله عج قد اعطى اهتماما واضحاً من هذا الحوار المذكور اعلاه. ولا يسعني ان أتناولها هذه الايات بالتفصيل ولكن سوف أتناول ما هو يهمنا في بحثي هذا. الواضح هنا ان السيد المسيح قد برأ الى الله من هذه العقيدة المنحرفة وأكد انه ما قاله لهم هو عقيدة سليمة توحيدية ولكن انهم قالوا بخلاف ما قاله لهم، كما في قوله:

“مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ”

وكذلك نرى من هذه الآيات ان المسيح ع غير مسؤول عن هذا الانحراف ما دام فيهم ولكن بين عليه السلام ان الانحراف حصل بعد ان توّفاه الله وبذلك كان الله هو الرقيب والشاهد على اتباعه حيث قال:

“فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.”
بعد ذلك نرى ان طبيعة الحوار قد تغير من سؤال وجواب بين الله والمسيح الى التطرق الى مصير اتباعه وكان اُسلوب المسيح مع الله يتصف بأرقى درجات الأدب والترجي لإنقاذ اتباعه الذين ضلوا الطريق حيث بدأ قوله:

“إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ”

ما اروع هذه العبارة حيث لم يطلب من الله بأن يغفر لهم لأنهم ما ارتكبوه هو شيء عظيم حيث اتخذوه الهً مع الله وهذا شركٌ عظيم وانه عليه السلام لم يفترض ان الله سوف يغفر لهم لانه هذا تطاول على حكم الله ولكنه افترض انهم سوف يعاقبون جزاءً بما كسبوا. وبالرغم من ذلك نرى انه عليه السلام كان يتمنى في نفسه ان الله يشملهم برحمته اي كان يطمع في ذلك وهذا واضح من قوله:

“وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”

ومن هذه العبارة نرى ان عيسى ع كان يتمنى غفران الله لهم لانه توسل الى الله من جانب صفته ” الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” والغريب هنا ان عليه السلام هنا قد بدأ بقوله ” وَإِن تَغْفِرْ
وهذه العبارة قد توحي بأن من الانسب ان يتوسل عليه السلام من جانب صفته ” الغفور الرحيم” ولكن ما نراه انه عليه السلام اتبع قوله ب” فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”
وإذا تدبرنا في آيات القرآن الكريم لنرى الحكمة من دقة اختيار هذه الصفات الحسنى على غيرها كما اشرت. والجواب على ذلك

يتجلى في الاية التالية؛

“إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا”4:116

ومن هذا المنطلق نرى ان المسيح ع يعلم هذه الحقيقة جيداً ولهذا انه ع لم يسأل الله ادباً من جانب صفته “الغفور” وكذلك ان المسيح ع يعلم ان الله “غالب على أمره” وهو “فعّالٌ لما يريد” ولهذا افترض ان من الممكن ان يكون هناك غفران لاتباعه الذين ضلوا الطريق ولهذا سأله ع بصفاته “العزيز الحكيم”-مما يجدر الاشارة هنا بأن دقة اختار الكلمات هنا هو دليل على مصداقية الرسول محمد ص وان القران الكريم هو حقاً  من عند الله‘ “ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً”  والآن نعود لبحثنا لنرى ما الذي اجابه الله وكيف ان الله يشمل برحمته الذين أشركوا به على مستوى الفكر والاعتقاد. فأجابه الله مَن مِن هؤلاء الناس يستحقوا الغفران الذي تمناه السيد المسيح. وجاءت الإجابة من الغفور الرحيم:

“قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُ”

هذا هو الله الرحمن الرحيم انه يتعامل مع الذين أشركوا به وفق معيار الصدق في جميع مناحي حياة الانسان حيث قال “الصادقين” اي ان صفة الصدق قد تلازمت معهم فأتصفوا بصفة الصدق. وهذا سوف ينفعهم في يوم القيامة ويبدوا ان شركهم انحصر في دائرة الفكر ولا يتعدى ذلك الى حيز العمل لأنهم أضلوا السبيل نتيجة ما ورثوه من معتقدات وان ظروف البيئة التي ولد فيها الانسان المسيحي او غيره قد لعبت دوراً كبيراً في عملية الاضلال وان الله عج يعلم بهذه الحقيقة ولهذا لن نرى حكماً قطعي الثبوت يقضي بكفر اتباع السيد المسيح وكذلك اكدّ القرأن الكريم ان لا نحكم على أهل الكتاب حتى وان كان يبدوا ظاهراً انهم أشركوا مع الله إلهاً اخر لانها ليست بهذه السهولة والسذاجة وان الله اعلم بذوات الصدور كما في قوله تعالى:

“وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ” 23:117

وفِي هذه الايه تشير بوضوح بان حساب الذين يدعون مع الله إلهاً اخر هو مع الله وليس بيد الفقيه المسلم لان معيار الله في الحساب غير ما هو عليه عند الفقهاء الدين يحكمون على ظواهر الأمور ومن الواضح ان مصير الذين قالوا بالعقيدة المنحرفة للمسيحيين اي الذين اسسوا قواعدها فأضلوا الاتباع، قد بينه القرأن في الاية 72,73 من سورة المائدة وأنهم غير مشمولين بالغفران الذي تمناه المسيح عند حواره مع الله لأنهم لا يمكن ان يكونوا من الصادقين المعنيين في الاية 23:117 لأنهم بنص الاية قد كفروا بقولهم هذا اي انهم قاموا بتغطية الحقيقة وهو ما تعنيه كلمة “كفر” بوعي تام من اجل مأرب خاصة ولم يكونوا صادقين في فعلهم هذا ولهذا خصصت الاية بانه هناك إمكانية شمول غفران للصادقين من اتباع المسيح لأنهم أضلوا السبيل بسبب الذين اسسوا هذه العقيدة. وبالإضافة ما ذكر اعلاه ان الله عج قد ابلغنا ان امضاء الحكم على خلق الله ليس من صلاحيات البشر الذى أوله نطفة وآخره جيفة وانما هو من صلاحيات الخالق وهذا جاء بوضوح في قوله تعالى:

ان الذين امنو والذين هادوا والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا الله يفصل بينهم يوم القيامة.  

والله اعلم

عادل حسين

أوتاوا-كندا

2017

آيات البحث

لقد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ5:72
لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ5:73

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ5:77

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ-9:30

وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ”23:117

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ..مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ..إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ..قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 116-119 من سورة المائدة

About Adill Hissan

Public speaker, business man, writer. Studied Physics, engineering, philosophy, religions.
This entry was posted in Islam, Middle East, Muslim History, Muslim philosophy, Muslim Worlds, Quranic science, Uncategorized, Wisdom. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *