ومن يبتغ غير الاسلام ديناً

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 3:85

مقدمة البحث

هذه من الايات المهمة في القران الكريم وفِي نفس الوقت انها أكثر الايات التي أُسيء فهمها مما أدى الى توظيفها لصالح مفهوم “الاسلام المذهبي” وكان بالأحرى ان تفهم هذه الاية في سياق مفهوم “حنيفية الاسلام” وَيَا ليتهم فعلوا ذلك لان هذه الاية تعكس عالمية رسالة القران الكريم ومصداقية الاية الكريمة ” إني رسول الله إليكم جميعا” وصدق نبوة النبي الامي محمد ص. ان المفهوم الشائع بين المسلمين بجميع طوائفهم ان مفهوم الاسلام هو ذاته الذي يدين به اتباع النبي محمد ص وتبعا لذلك يعتقدون ان من لن يبتغ غير هذه الصورة من الدين فمصيره الخسران.ومنهم من يحصر هذا المفهوم لصالح مذهبه، فالسني المسلم يعتقد ان الصورة الصحيحة للدين هي ما هو عليه من عقيدة السلف والتي تنطلق من فهم السلف للنص المقدس  ولا مساومة على ذلك وكل من يخالف هذا المنهج فمصيره جهنم وبئس المصير.اما بانسبة للشعيي المسلم فهو ينطلق من ان  الصورة الحقيقية للدين هي وفق فهم الائمة الاثنى عشر المعصومين وخلاف ذلك فهو غير مقبول من قبل الله. وهنا اود أؤكد احترامي لجميع الاطراف بما يؤمنوا به وهنا في هذا البحث لست بصدد الانتقاص من معتقدات المسلمين ولكن أريد  ان أحاور هذه الاية لكي ارى مصداقية عالمية رسالة القران من منظور موضوعي علمي يستند الى دلالة الكلمة اللسانية من منطلق لغة القرأن التى نزل بها وبعيدا من طرح علماء السلف الافاضل   

محور البحث

والاشارة المهمة، في هذه الاية الكريمة، والتي سوف تكون محور البحث نلاحظ استخدام كلمة “يبتغ” بدلاً من كلمة “يتخذ او يبغي” على سبيل المثال. ونعلم ان الله عج دقيق جداً في اختيار الكلمات لان كل كلمة لها دلالاتها اللسانية من اجل ابلاغ المعنى المرتجى والحكمة التي يريدها الله عج . إذن ما هي الدلالة اللسانية لكلمة “يبتغ” في أصل اللغة العربية وحكمة اختيارها على غيرها من المفردات القريبة لها في المعنى كما ذكرت آنفاً

البحث

والان لنبدأ البحث في هذا الموضوع.  جاء في اهم معاجم اللغة العربية (ابن فارس)  ان أصل كلمة “يبتغِ” هي مشتقة من الجذر “بٓغٓيٓ” ولها “اصلان؛ الاول هي طلب الشيء؛ فيقال بغيت الشيء اي أبغيه” اما الأصل الثاني وهو “جنسٌ من الفساد” وما يهمنا هنا المعنى الدال في الأصل الاول وهو “طلب الشيء” ولكن في نفس الوقت ،من الواضح  ان المعنى الاول من الجذر “بغي” والذي سوف نعتمده، له جانبان متضادان في ذات الكلمة الاول إيجابي والثاني سلبي. وان سياق الكلام يحدد اتجاه المعنى سلباً او إيجاباً. وهناك آيات اخرى قد استخدمت مشتقات “بَغَيَ” بالمعنى الإيجابي والسلبي مثال ذلك؛ في المعنى الإيجابي “إبتغاء مرضاة الله” . اما في المعنى السلبي “إبتغاء الفتنة” حيث نرى ان السياق حدد الاتجاه، وهي ليست موضوع بحثنا. والجانب الاخرالمهم هنا وذلك نلاحظ ان كلمتنا المعنية “يبتغِ” واصلها “يبتغي” وهي على وزن “يفتعل” ولم تأتي على وزن “يفعل” اي ان كلمة “يبتغِ” يمكن ان تكون “يبغي” في الاية اعلاه ؛ كما لو كانت الاية “ومن يبغي غير الاسلام ….”  ولو جائت بهذه الصيغة لمرت على اسماعنا دون ان ننتبه او نشعر بعدم اكتمال المعنى او وجود ارتباك في السياق. ولكن أرتأت حكمة الله عج ان يختار صيغة “يبتغي” بدلاً من صيغة “يبغي” فان ايًا من الصيغتين يؤدي المعنى إجمالاً ولكن ارادها الله عج ان تكون “يبتغي” وبالإضافة الى ذلك تشير أصول اللغة العربية  ان الأفعال على وزن “يفتعل” تسمى بأفعال المطاوعة، مثال ذلك “حكم يحتكم- عرف يعترف- جمع يجتمع- شرط يشترط-بغى يبتغي.” وبمعنى اخر ان مجموعة هذه الأفعال توحي الى معنى عام وهو ان هناك مطاوعة لحصول الفعل وبمعنى أخر بناءً على هذا المعنى نرى ان هناك مطاوعة  للنفس في رغبتها في اتمام الفعل اي هناك تمهل وتفكر قبل الشروع بالفعل. بعبارة أوضح ان مجموعة الأفعال على وزن يفتعل على المستوى المعنوي تعني ان الفعل أمّا ان يتم بعد اعمال العقل والتفكر والتأني وتحكيم الوجدان والضمير والنظرة الموضوعية المجردة (المعنى الايجابي) او يتم بحضور جانب الفجور من النفس وتغليب إلانا على الحكمة  (المعنى السلبي) وبمعنى أدّق اتخاذ القرار النهائي لاختيار الفعل يتم وفق الإرادة الحرة للإنسان بعيداً عن تأثير الثقافة العامة السائدة والمتبناة من قِبٓل العقل الجمعي لافراد المجتمع الذي ينتمي اليه الشخص المعني. وهذا إجمالاً دلالة هذه الأفعال ومنها فعلنا في موضوع بحثنا يبتغي او يبتغِ
اما اذا اخذنا مجموعة الأفعال والتي على وزن “يفعل” ومنها كلمة “يبغي او يبغِ” وهي كذلك من افعال المطاوعة ولكن تمتاز بدرجة اقل دقة في بذل الجهد الفكري والوجداني للشروع بالفعل كما هو عليه في مجموعة الأفعال التي ينتمي اليها الفعل “يبتغِ”. وفِي مجموعة هذه الأفعال ( على وزن يفعل) يمكن ان يكون القرار النهائي لاتخاذ الفعل تحت تأثير شروط البيئة والعقل الجمعي للمجتمع الذي ينتمي اليه الفرد. ولهذا نرى ورود “يبغون” وهي صيغة جمع كلمة ” يبغي” المذكورة آنفاً، حيث وردت في آلاية ما قبلها:

“أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ” 3:83

والسؤال هنا ان في الاية اعلاه 3:83 جاءت كلمة “يبغون” بدلاً من كلمة “يبتغون” أما في الاية 3:85 نرى اتيان كلمة “يبتغي” والجواب على ذلك والله

اعلم، نرى ان سياق الاية 3:83 كان خطاباً أصلاً موجَّه لأهل الكتاب من اليهود وأتباع المسيح ع وكما هو الحال في غالبية آيات سورة آلِ عمران. وبعبارة أوضح نرى ان الخطاب هو موجَّه الى جماعات وليس الى أفراد وهذا يقتضي ان يكون الفرد الواحد من هذه الجماعات، من اتباع اليهودية والمسيحية، ان يكون تحت تأثير العقل الجمعي لها بحكم انتماءه او ولادته لبيئة الجماعة ويكون سلوكه تبعاً لسلوك الجماعة. وهذه حقيقة واقعية مأساوية تعاني منها جميع المجتمعات. وهذه الحقيقة السلبية يعلم بها الله عج حيث يعلم ان الطريق الذي يبغيه الفرد في أمور الحياة او العقيدة ، في الغالب ، هو ذات الطريق الذي يبغون اليه الجماعة التي ينتمي اليها دون ان يفعّل عقله ويتأنى في اختيار الطريق الصواب لانه يعتقد بان طريق جماعته  يمثل الحق. ولهذا نرى استخدام كلمة “يبغي” هو الانسب في الاية3:83
اما اذا نظرنا الى الاية التالية 3:84 فنرى بوضوح ان الاية بدأت بتوجيه الخطاب للنبي محمد ص واتباعه كما في قوله: “قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا” ثم تلاها ذكر ما انزل الله من قبل، للملل الاخرى من ابراهيم ع الى عيسى ع . وبعبارة اخرى ان الخطاب موجه الى جماعات ومذاهب وملل وطوائف مختلفة على مر التأريخ وسياق الخطاب هنا هو الايمان بالله ورسالته النازلة للانسانية على مر التاريخ نزولاً الى الرسالة الخاتمة اي ان الخطاب يشمل جميع الناس ومن ضمنهم اتباع النبي محمد ص او ما يسموا أنفسهم بالمسلمين او بالأحرى اتباع “دين الفقيه” ، كما في قوله: 

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وما أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ 3:84″

وذات الحقيقة الاجتماعية المذكورة آنفاًوالتي في الغالب تفرض نفسها على الانسان بحكم شروط وحيثيات حقيقة “الزمكان” وهي ان كل فرد من هذه الملل والنِّحَل في الغالب يتبع دين او طريق ملته او جماعته كنتيجة واقعية اجتماعية مفروضة من خلال بيئته التي ينتمي اليها، وكما عبر عنه القران الكريم في مكان اخر بأروع ما يمكن:

“بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ” 43:22

وبعد هذا العرض الموجز في دلالات الكلمات “يبغي، ويبتغي” وقمنا بالتفكر في الاية 3:85 وهي موضوع بحثنا ونعود الى مناط بحثنا وهو كلمة يبتغِ في الاية

“وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 3:85”

نرى وبوضوح ان الخطاب فجاة تحول الى خطاب فردي حيث بدأت بكلمة “وَمَن يَبْتَغِ ” اي انه غير موجه الى جماعة او ملة بعينها. وبناءً على ما تقدم حول المعنى الأصلي لدلالة الكلمة اللسانية “يبتغِ” يتجّلى لنا المعنى الإنساني البحت لهذه الاية، بعيداً عن المعنى الفقهي المحدود، وفق الدلالة اللسانية لكلمة “يبتغي” المذكور اعلاه، حيث تقول الاية “ومن يبتغِ” اي انها تخاطب الانسان في كل مكان وزمان وبغض النظر الى انتماءاته الدينية او العرقية او الأيديولوجية، سواء كان مسلماً فقهياً او مسلماً مذهبياً (سنياً او شيعياً) او يهودياً او مسيحياً او ملحداً ولا زال انه إنسان فهذا الخطاب موجه له وتذكره بأنه اذا أراد ان يقوم بفعل ما او عمل ما فعليه ان يبذل جهدا صادقاً ويُفٓعل عقله ويحتكم الى وجدانه وفطرته وبتجرد وموضوعية ولا يسمح لتأثير ثقافة العقل الجمعي او ثقافة ما يسميه القرآن بثقافة ” الآبائية” واذا كان كذلك فمن اليقين سوف يكون اختياره للفعل هو اقرب لطريق الصواب وأقرب لسبيل الحق. وهذا السبيل لابد ان يكون عملا او فعلاً سليما ومسالماً وسوف يمثل ضرورةً احدى صور السلم والسلام وبعبارة اخرى فانه يبتغي بذلك منهجاً او “ديناً” أخلاقياً يتناغم مع فطرة الكون والوجود وبالتالي سوف يكون اختياره الدين او الطريق الذي يقبله منه خالقه وهو “الاسلام” اما اذا كان خلاف ذلك فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين .

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 3:85″

ان الموقف محسوم حيث لا يمكن قبول غير”الاسلام” -بالمعنى الانساني- كطريق او سلوك اي “دين”. حيث نرى ورود اداة الجزم النافية “لن” والتي تفيد نفي تحقق الحدث مع استحالة حدوثه خلاف اداة الجزم “لم” والتي تفيد نفي تحقق الحدث مع  احتمالية تحققه. وهذا من عظمة القران ودقته في اختيار الكلمات لتبيان المعنى لقوم يتفكرون. 

اذاً هذه الاية تخاطب الناس جميعاً وكل من يدعي بانه إنسان فعليه ان يختار منهجاً وطريقاً أخلاقياً بدافع انساني وجداني استجابة لصوت القيم والمبادئ التي يقرّ بحملها أي أدانٓ نفسه بحملها واقرّ بانه مٓديْنٌ للحفاظ على هذه القيم وبهذا فانه اذا اقرّ بذلك واستجاب، اي أطاع صوت الحق في أعماقه بمحض ارادته فانه حِينَئِذٍ يكون صاحب دين وهو الاسلام الفطري. وبهذا فانه اذا ابتغى غير هذا الطريق او المنهج او الدين فلن يقبل منه من قبل خالق الكون الذي أودع فيه هذه الامانه وهي الفطرة السليمة “فطرة الله التي فطر الناس عليها” وأنها هي الصورة الحقيقية لدين الله الذي يُقبٓل منه وهو “ذلك الدين القيّم” وعجباً لقومٍ يبغون طريقاً اي ديناً غير ذلك “أفغير دين الله يبغون”3:85

والغريب بالامر نرى ان كل مذهب من مذاهب المسلمين يرى ان صورة دينه او عقيدته هو ما يقصد به في هذه الاية اي ان صورة  دينه هو ذاته “دين الله” المشار اليه في هذه الاية 3:85 فنرى المسلم المذهبي يعتفد ان دينه او مذهبه هو “دين الله”المشار اليه في هذه الاية “وكل حزب بما لديهم فرحون”  

والله اعلم

عادل حسين
أوتاوا-كندا
2017

آيات البحث

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ 3:83
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ 3:84

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 3:85

About Adill Hissan

Public speaker, business man, writer. Studied Physics, engineering, philosophy, religions.
This entry was posted in Islam, Muslim History, Muslim philosophy, Muslim Wisdom, Muslim Worlds, Mysticism, Quranic science, Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *