الحجارة وعلاقتها بالناس في نار جهنم من منظور قراني بحت

الحجارة في القرأن الكريم

قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

ما هي علاقة الناس بالحجارة

المقدمة

تمر هذه الاية الكريمة على اسماعنا مراراً وتبدوا من اول وهلة ان معناها واضح ولكن اذا تأملنا قليلاً فيبدأ التسائل يفرض نفسه ونقول ليس بهذه السهولة والسؤال المهم الذي يبرز فوراً هو ما علاقة الناس والحجارة في نار جهنم هل تحتاج النار الى حجارة كوقود. ومن الواضح هنا في الاية ان الناس قد استحقوا العذاب بالنار ولكن ما هو ذنب الحجارة لكي تصاحب الناس المجرمين في النار كوقود. بالطبع نحن كمسلمين في الغالب اذا اردنا ان نفهم بعض ايات الكتاب الكريم نسارع الى فتح كتب تفسير التراث للسلف الصالح عله نشفي غليلنا ونخرج من الاستفهام الى الفهم ولكن من المؤسف غالباً نبقى في دائرة الاستفهام بل في بعض الاحيان نستنكر ما نقرأ وندخل في حيرة وارباك فكري. فلوا ذهبنا الى تفسير الموروث للاستيضاح فسنرى البعض يفسر الحجارة في هذه الاية بأنها الاحجار المعبودة من الاصنام وغيرها ولكن هذا الرأي المحترم لا يتناغم مع عدل الله لان الاحجار المعبودة ليس لها ذنب. ومن السلف الافاضل قد برر ذلك بان الحجارة قد رضيت بان تكون وقوداً لتحرق عابديها. ومن السلف يقول ان الحجارة هنا هي عبارة عن حجر الكبريت لانها شديدة الاحتراق فتكون مناسبة لان تكون وقوداً لعابديها. وهذا الرأي اي كون حجر الكبريت شديد الحرارة ومناسباً لنار جهنم كوقود غير مقنع لانه في اعتقادي ان نار جهنم هي من نوع غير مألوف بالنسبة لنا وطبيعتها لا تحتاج الى احجار من هذه الدنيا. ومن اراد الرجوع الى تفسير الموروث فله ان يقوم بذلك وان هذه الاراء في اعتقادي لا تتناغم مع رسالة القران وكلها تبقى اراء محترمة ولكن نهائية.
وتبقى اراء المفسرين السلف محترمة ووفق سقفهم المعرفي وينبغي ان تحترم.

والان من حقنا ان نتدبر في هذه الاية الكريمة لكي نبحث عن معنى يتناغم مع رسالة القرأن الكريم.

قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
الهدف هنا هو ان نبحث عن ما هي العلاقة بين الناس والحجارة من منظور قرآني بحت وفق دلالات اللسان العربي لبعض الكلمات المحورية في النص.

مفهوم الحجارة في القرأن الكريم

وما يهم بحثنا من هذه الكلمات المحورية في الاية هي “الحجارة” فاذا بحثنا عن مفهوم الحجارة في القران الكريم سوف نرى هناك معنى سلبي وأخر ايجابي في ذات الاية:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
فنرى في هذه الاية اعطت معنى سلبي لمفهوم الحجارة وجعلتها مقابل القلوب القاسية كما هو واضح من الجزء الاول من الاية:
“ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ”
ونلاحظ بقية الاية اعطت معنى ايجابي رائع للحجارة ذو معاني عرفانية حقة:

“وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”

ونرى ان هذه الصفات الفطرية الجميلة للحجارة لا تتناغم ان تكون كوقود لنار جهنم .
والان السؤال هنا ما هي العلاقة بين الناس والحجارة في الاية موضع االبحث!!!

العلاقة بين الناس والحجارة

اذا تفكرنا وتدبرنا في هذه الاية والاية اعلاه يتجلى لنا معنى جميل وعقلاني. اولاً ينبغي ان ننظر الى دلالة كلمة “الحجارة” اللسانية في اصل اللغة. جاء في مصادر اللغة العربية ان كلمة “الحجارة” هي اصلها من “”حَجَرَ” بمعنى المنع والاحاطة على الشيء”. اي منع وتقييد الحركة . ونرى هذا المعنى في استخدامات كثيرة في اللغة فيقال احجره بمعنى قيد او قلل حركته فالشخص المريض بمرض معدي يتم حجره اي يمنع من الحركة او تقيد حريته. واذا اخذنا عنصر التراب وخلطناه مع الماء ليتصلب بعد حين يقال له حجر لتحقق المعنى الاصلي المذكور لان عناصرها اصبحت قليلة الحركة من جراء التصلب فلذلك استعيرت كلمة حجارة لتدل على المعنى المتحقق في عملية خلط التراب مع الماء ثم تصلب ليصبح صلباً قليل الحركة ولهذا سميت الحجارة ،المألوفة لنا، بالحجارة لقلة او عدم حركة عناصرها.
اذن الحجارة سميت حجارة لتصلبها وتحجرها وجمود حركة عناصرها لا لانها كانت تسمى حجارة قي الاصل لان المسميات توجد قبل اسمائها وهذا شيء عقلاني لا يحتاج الى برهان.
وكذلك العرب تسمي العقل “حِجْراً” لانه يمنع من اتيان ما لا ينبغي-ابن فارس. ”
وقد وصف تعالى في كتابه العقل بذي حِجِر كما في قوله:

“هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ “

والجدير بالذكر هنا عبارة “لِّذِى حِجْرٍ” هي صفة للعقل كمعنى مستعار ايجابي للحجارة لتحقق المعنى الاصلي لدلالة الكلمة اللسانية لجذر الكلمة “حجر” لان دور العقل الفطري هو ينبغي ان يمنع اي يحجر الافكار السلبية والضالة والتي تبعد الانسان عن جادة الصواب، وهذا لا يعني ان العقل وصف بأنه “حجارة” بالمعنى المألوف للحجارة.
وبمعنى اوضح اذا نظرنا الى الاية
“ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ” نرى العقل شبه بالحجارة حيث استعير المعنى السلبي للحجارة لتحقق جانب من اصل المعنى لدلالة الكلمة اللسانية وهو معنى القساوة.
اما ان العقل يسمى “حِجِر” كما في قوله “هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ” وذلك اذا قام بدوره على ما فطر عليه وهو “منع اتيان ما ينبغي” من افكار ضالة وفاسدة ومعارف غير حقّة. اما اذا يخفق العقل في تأدية دوره الفطري بمحض ارادته اي لا يمنع اتيان ما ينبغي مما يؤدي ذلك الى اعطاء بعداً اخر لدلالة الكلمة “حِجْرٍ” حيث شبهت العقل بالحجارة “فهي كالحجارة” لتحقق معنى القساوة والتي تؤدي الى منع حركة عناصر الحجارة. وبهذا فينعكس المعنى لانه يمنع ما ينبغي الوصول اليه من معارف نافعة.

الجانب العرفاني لمفهوم الحجارة

واذا اردنا ان نوسع ما جاء في المثل الذي ضربه الله لنا في الاية اعلاه ونأخذ الجانب “الآفاقي” المعنوى الروحي والعرفاني فنرى ان الاية قد وصفت العقل بصفات حسنة من خلال التشبيه، منها في قوله:

“وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَار”

وحقاً انه توصيف رائع حيث ان هناك من العقول تتفجر انهاراً من الحكمة والمعارف الحقة كالانبياء والرسل والصالحين والحكماء.
وان هناك من العقول تتفجر علوماً جمة لتخدم الانسانية ومنها العلماء في جميع انواع العلوم الطبيعية وغيرها وهؤلاء اشارت اليهم الاية:

“وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ”

وهناك عقول اخرى تتخذ منهجاً في الحياة يتناغم مع فطرة الوجود تدافع عن كل ما هو حق وتدرء الظلم عن الاخرين وتساهم بشكل فعّال في مساندة السلم الاجتماعي وتقوم بكل ما هو صالح للمجتمع لانهم يجدون انفسهم في حضور دائم بحضرة خالق هذا الكون وتراهم يهبطون من خشية الله وهذا النوع من العقول يصفها القرآن بأنهم:

“وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه”

الان نحاول ان نعود مرة اخرى لنص الاية التي هي موضع بحثنا لنجد العلاقة بين الناس والحجارة. ولننطلق من هذا المنطلق القرآني البياني وبناءً على ما تقدم اعلاه وفي اعتقادي والله اعلم، بان الحجارة في هذه الاية “وقودها الناس والحجارة” هي كناية عن العقول المتحجرة للناس التي يعطلها الانسان بمحض ارادته. ونقول انه كما هو معلوم ان اشرف خلق عند الله هو العقل واذا سعى الانسان الى حجبه عن الحق ومنع المعارف الحقة من الوصول اليه بمحض ارادته فسوف يؤدي ذلك الى تحجير العقل اي يتحول الى حجارة. وبمعنى اخر، وفق المعنى لدلالة الكلمة اللسانية المذكور اعلاه، فان العقل لا يستطيع ان يحرك الافكار او تقليبها وتنقيتها مما هو لا يتفق مع الفطرة السليمة وهذا يؤدي الى تعطيل دور العقل فلذلك شبه بالحجارة في هذه الاية ويا له من تشبيه رائع. وبناءً على المعنى البياني القرآني فان هذه الحجارة (العقل المتحجر) بالتحديد تستحق ان تكون وقود يحرق بها صاحبها ولا يمكن ان تكون الحجارة البريئة في الطبيعة التي وجودها نافع بذاتها وانها تسبح لله في وجودها التكويني كما اكدّه لنا الحق تبارك وتعالى:

وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ”

اما هذه العقول المتحجرة ،بمحض ارادتها، فكلها ضرر على الوجود بأكمله فكان ينبغي له اي للعقل ان يكون نافع في فطرته الاصلية ولكن حوله الانسان بمحض ارادته الى حجر لا يتعقل ولا يتدبر ولا يتفكر كما اكده لنا الحق تبارك وتعالى في قوله:

“لهم قلوب لا يعقلون بها”

ليكون وقوداً له في يوم الحساب. وعندما تقول الاية “ثم قست قلوبكم” اي بمعنى قست عقولكم لان القلب في القرأن هو العقل كما في قوله ” لهم قلوب لا يعقلون” اذن القلوب اي العقول اصبحت قاسية اي صلبة ومثلها كصلابة الحجارة “فهي كالحجارة بل اشد قسوةً”
وهذا يعني ان قلوبهم اي عقولهم اصبحت كالحجارة وسوف تكون وقوداً لهم في نار جهنم.

والله اعلم

ايات البحث
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا

About Adill Hissan

Public speaker, business man, writer. Studied Physics, engineering, philosophy, religions.
This entry was posted in Irfan, Islam, Metaphysics, Middle East, Muslim History, Muslim philosophy, Muslim Wisdom, Muslim Worlds, Mysticism, Philosophy, Quran Itfan, Quran scincees, Quranic science, Quranic sciences, Sufism, Wisdom. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *